ابن قتيبة الدينوري
33
تأويل مشكل القرآن
فإن قال قائل : هذا جائز في الألفاظ المختلفة إذا كان المعنى واحدا ، فهل يجوز أيضا إذا اختلفت المعاني ؟ . قيل له : الاختلاف نوعان : اختلاف تغاير ، واختلاف تضادّ . فاختلاف التّضاد لا يجوز ، ولست واجده بحمد اللّه في شيء من القرآن إلا في الأمر والنهي من الناسخ والمنسوخ . ( واختلاف التغاير جائز ) ، وذلك مثل قوله : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [ يوسف : 45 ] أي بعد حين ، و بَعْدَ أُمَّةٍ أي بعد نسيان له ، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان ، لأنه ذكر أمر يوسف بعد حين وبعد نسيان له ، فأنزل اللّه على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، بالمعنيين جميعا في غرضين . وكقوله : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [ النور : 15 ] أي تقبلونه وتقولونه ، و ( تلقونه ) من الولق ، وهو الكذب ، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان ، لأنهم قبلوه وقالوه ، وهو كذب ، فأنزل اللّه على نبيه بالمعنيين جميعا في غرضين . وكقوله : رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [ سبأ : 19 ] على طريق الدعاء والمسألة ، و « ربّنا باعد بين أسفارنا » على جهة الخير ، والمعنيان وإن اختلفا صحيحان ، لأن أهل سبأ سألوا اللّه أن يفرّقهم في البلاد فقالوا : رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا فلما فرقهم اللّه في البلاد أيادي سبأ ، وباعد بين أسفارهم ، قالوا : ربّنا باعد بين أسفارنا وأجابنا إلى ما سألنا ، فحكى اللّه سبحانه عنهم بالمعنيين في غرضين . وكذلك قوله : لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الإسراء : 102 ] و لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ لأن فرعون قال لموسى إن آياتك التي أتيت بها سحر . فقال موسى مرّة : لقد علمت ما هي سحر ولكنها بصائر ، وقال مرّة : لقد علمت أنت أيضا ما هي سحر ، وما هي إلا بصائر . فأنزل اللّه المعنيين جميعا . وقوله : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [ يوسف : 31 ] وهو الطعام ، و ( أعتدت لهن متكأ ) وهو الأترج ، ويقال : الزّماورد ، فدلت هذه القراءة على معنى ذلك الطعام ، وأنزل اللّه بالمعنيين جميعا . وكذلك ننشرها و « ننشزها » [ البقرة : 259 ] ، لأن الإنشار : الإحياء ، والإنشاز هو : التحريك للنقل ، والحياة حركة ، فلا فرق بينهما . وكذلك : فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [ سبأ : 23 ] و ( فرّغ ) ، لأن فرّغ : خفف عنها الفزع ، وفرّغ : فرّغ عنها الفزع .